أما بعد...

أما بعد/ تصحّر العقل بقلم/ رئيسة التحرير روزالسوف

قليلا جدا ما أجد نفسي وسط ذوي التوجه الديني المنغلق ، وكثيرا ما أتحاشى محاورتهم لإدراكي بأن هؤلاء لا يؤمنون بالحوار ولا يقيمون وزنا للعقل، الذي هو مصباح ينير درب الانسان .. وما يحزّ في النفس أنهم  يشعرون بالراحة النفسية وبالغلبة وبالغرور . لأنهم وحدهم من يفقهون في الدين ويتّبعون نهج الله والرسول بارتداء القميص القصير والسروال الطويل، وبإطلاق اللحية الى منتهاها  وقص الشوارب عن آخرها..  فهؤلاء تركوا جوهر الدين وحولوه الى شكلانية  وطقوس ، تماما مثل اليهود وعبدة الكهنوت…فهم وحدهم من ستفتح لهم أبواب الجنة وغيرهم في النار خالدون.

المبادرة بفتح نقاش ديني مع هؤلاء يقود حتما الى طريق محفوف بالمكاره،  فأنت بذلك في دائرة التشكيك وستفتح على نفسك بابا من أبواب جهنم بالقول : “ولا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ  لكم تسؤكم “.  لهم ولاءاتهم المطلقة لابن تيمية ، ابن الباز و العثيمين  وآخرين .. ومشكلتهم  ليست قائمة على صحة الحديث المنقول من عدمه، وإنما على الرواية المنقولة عن الشيخ المبجل…  فهؤلاء جعلوا دينا بأكمله مطية فلان وعلان، من دون الرجوع الى الخلفية الدينية والسياسية وحتى النفسية لشيوخهم المقدسين. ولديَ في هذا الشأن نماذج واقعية مضحكة مبكية مرت بي ، وسأختار لكم من بينها التالي: ..

1-  التقيت بسيدة صغيرة السن وحديثة العهد بالزواج  وقد أطلقت شعرها ، فيما كان  الحَرُّ شديدا ، فقلت لها : ولماذا لا ترفعين شعرك الى الأعلى حتى تتفادي التعرق؟. فقالت لي بأن ذلك حرام. فتعجبت من هول الرد،  وقلت لها مستغربة:  وكيف عرفت أنه حرام؟. فقالت لي: قرأت كتابا لفلان وكان يبين ويفصل تحريم شد الشعر وتشكيله على هيئة “كوتشفال، أو تفاحة” ، فذاك تشبّهُ بالحيوان والثاني تشبّهُ بالفواكه..! (منتهى التهريج..!)

2- في موقف صادم آخر، التقيت بشاب مراهق لم يبلغ سن الحلم بعد ، وسألته عن لباسه السلفي وهو ما زال صغيرا لا يعي ما يفعل، فقال لي بأنه ترك المدرسة مبكرا بسبب رسوبه، وهو ما جعل والده يدفعه للعمل مع بناء سلفي ، وما فهمته منه أن هذا الأخير كان يلقنه أثناء العمل تعاليم السلفية على أنها مبادئ الدين السمحاء ، مما جعل هذا الصبي يخلع ملابسه ويرتدي زيا سلفيا. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل مزق جميع ملابسه في البيت وطلب من والدته وأخواته البنات ارتداء الحجاب في البيت ، ووصفهن بالكافرات بعد أن رمين بنصيحته عرض الحائط.  ولما سألته عن المرجعية الدينية التي يرتكز عليها في دينه فأجابني : الشيخ محمد ابن عثمين رضي الله عنه وأرضاه… (تبعية مطلقة..!)

3-  في هذه الحادثة ، صادفت سلفيا ، وكنت أتحدث اليه وهو يلقي بنظراته لجهاز التلفزيون، وما إن شاهد صورة الرئيس السوري بشار الأسد حتى فلت لسانه بقبيح القول وهو يلعن ويسب ويشتم.. فسألته وماذا فعل لك الرئيس الأسد، فأجابني مغتاظا: هذا النصيري المجرم  دمر بلاد المسلمين  وقتل أهل السنة….(كلام طائفي مقيت..!)

لا أريد أن أعقب عن هذه النماذج كثيرا، وإنما اكتفي بالقول أن مجتمعنا ليس بمنأى عن خط النار، إن لم يكن في قلبها ، وهو بدون تلبيس حاضنة لهذا الفكر الخطير. وأتساءل وأسأل رجال الحلم والعلم ببلادنا: بأية وسيلة يمكننا أن نجابه هذا الجبروت القادم، وبأية منظومة تربوية ودينية  نستطيع صد هذا الخطر ، وفي أية مدرسة يمكننا أن نلقّن تعاليم الدين الحقيقية لأبنائنا، ضحايا هذا الفكر المنغلق والعدواني .

فمن خلال سلوك هؤلاء مسلوبي الارادة والقرار، لا نملك الا أن ندعو كل من يعنيه الأمر لتحريك وتفعيل منظومة القيم ، ومفاهيم الخير والحق والعدل والجمال، التي يتباهى بها العالم الحر ويعيش في كنفها ، بينما يعيش أبناؤنا نحن في واقع بائس ومستقبل غامض.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق