أما بعد...

الحضيض الأسفل

لو سألت خبيرا أو انسانا عاديا عن أبشع أنواع الموت ، فسيجيبك بدون تردد: النحر و الحرق . بسبب ما يمثله هذان النوعان من القتل من أذى لنفس المقتول وأذى لكل من يسمع ويشاهد هذه الوحشية التي تقشعر لها الأبدان ..

فهذه هي – للأسف – أشنع الجرائم البربرية التي تقوم بها التنظيمات المتطرفة منذ فجر الربيع العربي باسم الاسلام. ونحن نتذكر قول الرسول (ص) وهو يتحدث بعين الرحمة عن هرّة فيقول: ” عُذّبت امرأة في هرّة ، سجنتها حتى ماتت ، فدخلت فيها النار ؛ لا هي أطعمتها ، ولا سقتها إذ حبستها ، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.“. فكيف تستوعب عقولنا وتقارب بين هذه المتناقضات..!

قبل يومين أظهر تسجيل صادم ، حمل اسم “شفاء الصدور” وهي اعترافات الطيار الأردني معاذ الكساسبة ، تحدث فيها عن التحالف الدولي ضد داعش، وطبيعة العمليات التي يقوم بها ، لينتهي بإضرام النار بجسده وهو حي..

تكررت فنيات القتل للتنظيمات المتشددة، ما بين النحر ، والرمي من مبان  عالية ، والضرب بالسواطير والسيوف، وتقطيع الجسد والأوصال إربا إربا ، وأكل الأكباد ، وما لا يخطر على بال .. وفعل المتأسلمون مالم يفعله أعداء الاسلام..!

ليصدم العالم مجددا بأشنع أنواع القتل التي يرتكبها تنظيم  داعش ، مع أن المعلومات الاستخباراتية تؤكد أن الاعدام بالحرق تم في 3 جانفي الماضي، أي بعد عشرة أيام من أسره.. الا أن التنظيم يريد أن يرسخ في أذهان الناس أقصى درجات القسوة والترويع والرعب والبشاعة ، من خلال اليوتيوب ليذكرنا بالصورة الذهنية التي شاهدناها في أفلام هوليود عن دراكيلا ، ومصاصي الدماء .. (انتقام وبشاعة..!)

هذه الصورة الخيالية التي عايشناها في زمن الطفولة في العالم الهوليودي  يريد داعش أن يرسخها اليوم في الواقع الملموس، انتقاما من خسائره على الأرض ، خصوصا وأن جميع المعلومات التي تتداولها الدوائر الاستخباراتية والاعلامية اليوم ، تؤكد تراجعه في أكثر من 60 %  من الأراضي التي استولى عليها في العراق لوحدها ، ويتنبأ  محللون بقرب نهايته من خلال قتله لاتباعه الذين يفكرون مجرد التفكير  في  الخروج عن التنظيم . وتؤكد المعلومات المسربة بأن هناك العشرات ، بل المئات فروا من داعش، منهم من عادوا الى أوطانهم ومنهم من قضوا على يد التنظيم ، والباقون انتقلوا الى تنظيمات متطرفة أخرى ..

أسوء درجات الانحطاط البشري هي أن يتخلى الانسان عن انسانيته وينزل الى أقصى مراتب حضيض الطبيعة الحيوانية ، ليصبح الانتقام والثأر، ركيزة  الوسائل القذرة التي يعتمدها هؤلاء والتي تضع الانسان في مرتبة واحدة مع الحيوان أو أقل،  بحكم أن  الحيوان لا يمتلك عقلا ، ولا يفقه في أساليب الثأر.

كل ما يحصل اليوم في منطقتنا العربية هو نسخة طبق الأصل مما كان يحدث عندنا في الجزائر خلال العشرية السوداء. اليوم فقط أدرك العالم حجم المصيبة التي عاشتها الجزائر والجزائريون مع نفس التنظيمات،  وان اختلفت التسميات..

اليوم كل المفكرين والمحللين والسياسيين يتذكرون تجربة الجزائر مع المتشددين ويسقطونها على  الواقع العربي ، فهل قدر الأمة أن تعيش هي الأخرى عشرية أو عشرينية دموية ، من يعرف؟. واذا كان كذلك، فكم ستكلف ياترى ..؟ .

وسؤالنا الجوهري الذي يتبادر الى ذهن كل عاقل هو: اذا كان المشكل  يكمن في الإسلام كما يقول الغرب ، فلماذا جميع الدول الاسلامية غير العربية آمنة بداية من ايران وتركيا اللتان تقعان بالقرب من حدود النار، وانتهاء بإندونيسيا وماليزيا اللتين تنعمان في كنف العلم والمعرفة؟ فهل المشكل في العرب اذن،  أم يكمن فيمن عرضوا عقولهم للاستقالة وأوطانهم للبيع..؟!

اظهر المزيد

محرر

كاتبة بجريدة التحرير الجزائريه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق