صفحات خاصة

التصحر الثقافي والإسهال السياسي

ريشة قلم1

بقلم/ أحلام رحومة من تونس

على مدى الاجيال شكل الشباب نواة للإبداع في المجتمعات المتحضرة .. وتجلى ذلك في واقع الشباب في الثلاثينات والاربعينات وصولا للستينات من القرن الماضي , اذ مامن حركة فكرية اونشاط ذهني الا وكان الشباب نواته ومصدر عنفوانه , وما من حركة فنية ولا اجتماعية الا وكان الشباب من اولى ركائزها .. وبعد .. جاءت الثمانينات والتسعينات فما الذي حصل .. لقد بدء بعدها انحدار على مستوى الذوق لدى كثير من الشباب .. والاهتمام بالثقافة الموسوعية شهد انحسارا كبيرا , ويمكن ملاحظة ذلك دون اللجوء الى استطلاع للراي ..

ففي كل منحى من مناحي الحياة التي اعتراها التراجع بالذوق , برزت مفاهيم جديدة ( ممسوخة ) لتحل محل كل ماهو اصيل ونافع .. فقد بات الحب كلمة تقال صباحا مساء .. بلا شعور وجداني او احساس نابع من القلب ليعبر عن تلك العاطفة النبيلة التي اودعها الله في اكرم مخلوقاته , فبات الشاب والبنت يقول هذه الكلمة عشرات المرات في اليوم الواحد ولأكثر من شخص ( فسقط الحب ) , وعلى صعيد لكن كلمة حق اظن انها احد اكبر اسباب المشكلة .. وهي ان اسلوب العرض للمنتوج الثقافي في عالمنا العربي قد اصابه الترهل .. فليس من المعقول ان اعتمد اسلوب الطرح ذاته الذي كان اطرح عام 1945 لشباب من شدة حركته وايقاع حياته السريع لايقوى على الجلوس على كرسي واحد اكثر من نصف ساعة .. اسلوب الطرح وطريقة ايصال المعلومة الثقافية تأخر في الوقت الذي قطعت كل وسائل الايصال الاخرى اشواطا في الوصول الى مبتغاها وعليه فان القاء اللوم على الشباب وحده هو نظر بعين واحدة الى تلك القضية ….

قدر ما يزداد المشهد الثقافي، ، انحداراً مزرياً نحو التفاهة والعقم الفكري، وافتقاراً بائسا إلى ذوق فني سليم، لدى المسؤولين.
وبقدر ما يزداد تدهور أحوال المجتمع وسلوكيات وتصرفات أفراده، وتراجع القيم والمبادئ والأفكار النبيلة في عصر صار لا يؤمن سوى بالمادة والمصلحة الذاتية الشخصية، بقدر ما نزداد تحسرا على رحيل مبدعين من الزمن “الثقافي” الجميل.
كأننا حين نكثر من التحسر على الرحيل المبكر لبعض مبدعينا  ننعي أنفسنا، أو نبكي القدر الذي جعل الساحة الثقافية تعيش باستمرار كارثة النهايات المبكرة والعطاء غير المكتمل. هل هو تدهور العملية التعليمية وتراجع اللغة العربية؟ ‏
أم لعله انحسار القيم والمبادئ والمثل العليا وتراجع الذوق العام؟ ‏
هل هي الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يعانيها المواطن العربي عموما، والتي جعلت كل همه أن يوفر لنفسه لقمة العيش ويؤمن ضروريات حياته الأساسية، فكيف له وهو في هذه الظروف الصعبة أن يحفل بقضايا‏ (‏الفكر‏)‏ و‏(‏الثقافة‏)‏ و‏(‏اللغة‏)‏؟‏!‏
أم أن المواهب الفنية والإبداعية قد نضبت بالفعل في زمننا هذا؟
الأسباب كثيرة ومتشابكة والنتيجة واحدة‏: هي أننا نعاني بالفعل من انتكاسة ثقافية متردية، شواهدها لا يخطئها العقل ولا تغفلها العين.

حيث  ان تكاثر الاحزاب السياسية يوما بعد يوم الى حد الآان لم يفرز سوى من “كان الاسرع في استقطاب الشارع؟” دون التفكير في برنامج ثقافي واضح قادر على تغيير العقلية السياسية المنغلقة، لا سيما وأن النظام البائد عمل على تأسيس سياسة التصحر الثقافي وضرب المنظومة التعليمية وهو ما جرد الشارع من تلك النظرة النقدية القادرة على تطهير الذهنية البائدة وفسح المجال أمام مشروع ثقافي وطني يرتقي بالمواطن الى المواطنة الفعلية.

لا سيما ومجتمعنا على مستوى الفرد والجماعة ما زال متخما قولا وتجريدا الامر الذي يفقدنا الدقة والنظام وتحديد الهدف فكأنما نسكن او نطمئن لمن يحاول مغالطتنا او مجاملتنا و تمجيدنا . فهذا السلوك في اصله ناتج عن التردي الثقافي الذي عاشه ومازال يعيشه الشارع التونسي والعربي، لا سيما في مجتمع مازال غارقا في الشعارات والخطب الرنانة ولم يطرح على نفسه حتى اليوم مشروعا ثقافيا واضحا – فأنا أتساءل على هذا التكاثر الحزبي والاسهال السياسي المجحف دون أي  برنامج ثقافي وطني واضح – فإلى اين المسير ؟ إلا يكفينا تهميشا وتفقيرا فكريا.لا يمكن الحديث عن الدولة الحديثة والانتقال الديمقراطي دون ارضية ثقافية متحررة واضحة مستقلة لها برنامجها الحداثي : فلا سياسة بدون مثقف ولا مكان لشعب ديمقراطي بلا ثقافة تنويرية –انه لعار لمن يمنح للثقافة دعما ب 0.75 بالمئة او ربما اقل من ميزانية الدولة في حين ان الوسائل القمعية بمختلف اشكالها تتمتع بأكثر من 1/3 الميزانية – ما هذا الذي يحدث ؟ – فعلا من نحن ؟ ومن أنتم ؟متى يجب علينا ان نتفطن الى ان الانتقال الديمقراطي لا يمكن ان يكون إلا من خلال الثورة الثقافية الصحيحة، فلا حول ولا قوة لمن كان جاهلا لحقيقة الفعل الثقافي, “مسرحا كان او شعرا كان او سينما كانت او موسيقى او الوان أخرى …” او غيرها من الفنون التي تعطي وعيا نقديا محايدا قادرا على التحرر . فأين نحن من ” اعطني مسرحا أعطيك شعبا عظيما” وأين نحن من ” شعب لا يرقص شعب لا يثور”متى نقول فعلا ليس هناك بطل واحد للحضارة… وإنما كلنا ابطال فيها .. متى تفهم الهياكل المتآكلة ؟ حقيقة الفعل الثقافي ؟ بل متى ينتحر فينا الابن ” يهوذا ” ؟ ذلك الابن الانتهازي المنافق. متى نسير حسب المبادئ لا حسب المصالح؟ متى نقول هنا “المبدأ” لا هنا المصلحة…متى نقول هنا ضمير الجمع لا هنا ” أنا ” … من هنا ” لا نستطيع تغيير شيء ما دمنا لا نملكه وليست لنا القدرة على انتزاعه كما هو لنفعل به او فيه ما نريد من تغيير ؟ “. على حد عبارة ” جون بول سارتر” في دفاعه عن المثقف.

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق