صفحات خاصة

التيندي من الفرجة إلى الهوية

أرشيف
أرشيف

تعتبر الموسيقى التارقية بكل مكوناتها وأنماط فروعها وتجليات أجنابها وأبعاده هي قصة وحكاية ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد إذلايجب أن ننظر إليها نظرة ضيقة أو إقصائية إنها قيمة مرتبطة بالكينونة التارقية دون اعتبار اللون والدين واللغة إنها إثبات للدين والوجود.

ففي عمق لون الرمال وإمام جذوة النار وغربة الليل يبدو النغم أفضل محارب للسأم و الملل ومن بين أنواع الموسيقى التارقية التي يجب أن نقف عندها مليا (التيند) وهو نوع من الدلالات على امتداد الصحراء وطول لياليها فهو طبل ضخم يصنع من إطار خشبي ويغطى بجلد الماعز الطري مشدودا بقوة

تجلس حوله امرآتان تشدانه من الجانبين ثم تأتي ثالثة للضرب عليه والأجمل فيه تضمنه للعبة (تيندياناكرهي) ,وآكرهي هو خمار أسود يوضع على رأس فتاة جميلة ويحاول أحد الفرسان ممتطيا جمله اختطاف الخمار من على رأسها  وهي لعبة التعارف والزواج فهي نوع من ترنيمات الحزن والحب , فإن التيندي خطاب فني سماعي يترجم السلوك والموقف والواقع ففي تجلياته يعكس مدى التمرد وملحمة الصحراء فهو ثروة غنية معبرة إذن فمن المنطقي جدا أن تحمل الذاكرة الجماعية أسطورة التيندي تصوفا شعريا وبعدا معرفيا ونغم العقيدة وفقه الأمداح لوشم الإبداعي الواعي.

إن سماعنا لهذا النوع من الموسيقى مفعم بقوانين تخلصنا من متاهات الحضارة وفوضى الحداثة الغامضة ينتهي إلى إرث نفيس واستقراءنا له جاوز متعة الفرجة إلى عذاب المعرفة فالمرأة بين دقات التيندي تخرج ضد الصمت وانهيار القيم فمن عمق الألم تصوغ موقفها المجدي فهي المبدعة كمغنية وعازفة تفرض نفسها بقوة وإذا كان للمرأة هذا البوح وهذا النوع من الحضور أفلا يحق لها أن ترتاد السيادة الفنية في منطقة تاسيلي ناجر لتسمى آمنوكالت  ولكن هذا لا يعني أنها ليست شاعرة فهي تؤنس زوجها وتنيم طفلها وتجسد مآثر ومفاخر القبيلة في نسج لغوي شعري يتردد على لسانها لحاجة المقام إليها وقد يصاحبها طبل التيندي في خطاب رائق يعجبك إيقاعه وتلهمك نغماته.

وبكل افتخار فإن التيندي هو ترجمة لحب الأرض وعشق الحرية والانعتاق فهو أكثر من رغبة وموهبة إنه الوجود الجمالي والفني للإموهاغ فهو يحوي الإبداع والجمال في ترابط يربي ذوقنا ورهف حسنا الفطري لذلك ظل يشكل نوعا من الهوية بمضمونها وجوهرها.

إذا أردنا أن نحافظ على وجودنا الأسمى وحضورنا الأبدي بطرفيه المادي والمعنوي خاصة في إطار مايسمى بصراع الحضارات فيجب أن نقف لحظة ذهنية أساسها العقل والذاكرة والمنطق لنستقي مضامين ذواتنا من شرعية النبش والبحث التاريخي لنجعل من موسيقى التيندي رافدا انطولوجيا يعيش في كينونتنا الحياتية إن التيندي ليس إشباع إحساس بالجمال فقط بل هو بنية دالة داخل  المستقبل تحمينا من الضياع

خارج العنفوان فهو سيبقى يحرج الضمير التارقي كي لايموت التاريخ ويمكن أن يبقى أعزما انتابها به اليوم.

 أيمكن أن نذرف دمع هذا السؤال في مهازل حضارة المسخ في هذه الأيام :متى يمكن رصد تطور هذه الخصوصية الثقافية على مستوى التاريخ والتراث والهوية ونظل صامتين أمام التاريخ وانهيار القيم أليس تجاوز هذا التراث الموسيقي(التيندي) استخفافا بالفن جمالا وفكرا.إن غياب التواجد المؤسساتي والتدوين تفاديا لشر الشفوي هودليل قاطع عن مدى إهمالنا لتاريخنا وثقافتنا إن التصويت بالحنجرة من طرف تمنوكالتتاسيلي والحركات الراقصة من طرف الرجل الأزرق هي مجابهة للألم والتهميش لإثبات الذات عبر التاريخ وإذا أردت أن ترصد هذه التجربة ستصدم بالحرقة أمام الفراغ الثقافي إن ضربة التيندي تشعر وهج المحافل لكن في مواسم خاصة وبعدها ينتهي إشعاعها بعد آخر دقة  إنهم وشم التحدي.

بقلم لخضر عبد العزيز

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق