الرئيسية » B الواجهة » “ملائكة” الرحمة يخلفون عذابا اجتماعيا للمئات منهم قانون الصحة الجديد يهمّش ضحايا الأخطاء الطبية

“ملائكة” الرحمة يخلفون عذابا اجتماعيا للمئات منهم قانون الصحة الجديد يهمّش ضحايا الأخطاء الطبية

مستشفى إستعجالات

“مبيتة” ليلة واحدة بمستشفى عمومي بالجزائر العاصمة ، كلفه فقدان نعمة البصر والكلام والحركة ، هي حال طفل الآن أصبح شابا (سعيد.ا) تجرع أهله مرارة التشخيص الخاطئ لوضعه الصحي ، فاستُؤصل منه الأمل في حياة اجتماعية طبيعية.

لم يكن من الصعوبة بمكان العثور على ضحايا الأخطاء الطبية في الجزائر ، ممن استُؤصلت منهم أحد  الأعضاء من أجسادهم عن طريق الخطأ فالحالات المسجلة تعد بالآلاف ، ليدخلوا في صراع مرير لاسترجاع حقوقهم بقوة القانون، مع صعوبة تعويضهم ماديا ومداواة الجرح الاجتماعي والنفسي الذي تنسجه هفوة طبية، وقد تكون حالة الشاب سعيد الذي يتعدى عمره 20 سنة حاليا، المسار الطويل لمعاناة ضحايا الأخطاء الطبية في الجزائر ، وحسب والد الضحية الذي أدخل فلذة كبده مستشفى بالعاصمة سنة 2004 عندما كان عمره سبع سنوات بسبب ارتفاع نسبة السكري في الدم ما جعله يقضي ليلة واحدة بالمصحة حقنه خلالها بمادتي “الفاليوم” و”الأنسولين” أدت إلى تعرضه لفقدان البصر والكلام والشلل، ورغم اعتراف الطبيب المسئول بالخطأ، إلا أن الضحية حرم من مزاولة دراسته ويحتاج الآن إلى تأهيل حركي.

تبرؤ من المسؤولية      

ويكون بذلك الخطأ في تشخيص الحالة المرضية بداية معاناة طويلة لضحايا الأخطاء الطبية ، وضع طال إحدى السيدات التي فقدت بصرها قبل سبع سنوات ، بعد خضوعها لعملية جراحية على مستوى العين من أجل نزع قطرات مائية وذلك بالمركز الاستشفائي الجامعي لحسين داي بالعاصمة، أين أكد لها الطبيب أن العملية سهلة، غير أن من يوصف بملاك الرحمة اعترف بأنه أخطأ وأصابها في بؤبؤ العين، مما جعلها تفقد البصر وبعد ذلك، وعدها بأنه سيتكفل بها وسيجري لها عملية زرع القرنية، غير أنه لم يفعل شيئا. وبعد مد وجزر تبرأ من المسؤولية وطلب منها أن تعالج في مكان آخر ورفض أن يوقّع لها طلب الحصول على منحة التكفل بالخارج.

أما أشهر القضايا التي هزت الرأي العام في الجزائر خلال السنوات الماضية و لا يزال معظمها معلقا على مستوى القضاء إلى غاية اليوم، إصابة 17 طفلا من ضحايا أخطاء طبية أثناء عملية ختان جماعي بقسنطينة شرق البلاد، بحروق في أعضائهم التناسلية ، حطمت مستقبلهم ، و قضية أخرى،  تعرض 8 ضحايا فقدوا نعمة البصر و اقتلعت أعينهم تباعا، بعيادة خاصة لجراحة العيون.

و أمام استفحال معدل الضحايا ترتفع مستويات ملاحقة الأطباء المتسببين في العاهات المستديمة ، لكنْ حقوقيون يؤكدون بان أزيد من 40 بالمائة من الضحايا، يرفضون اللجوء إلى القضاء ، بسبب غياب قانون يحميهم، و تعقيد إجراء تكييف هذا النوع من القضايا، التي يصل 90 بالمائة منها إلى المحكمة العليا، فيما يتعدى عمر قضايا أخرى 14عاما منذ رفعها أمام العدالة،و تنتهي عادة ببراءة الأطباء أو رفض المستشفيات تسديد المبالغ المالية التي تقرها العدالة في منطوق أحكامها كتعويضات للضحايا.

وبرز تجاهل السلطات الجزائرية لهذه الفئة بشكل واضح، بمشروع قانون الصحة الجديد ، إذ لم تورد إجراءات خاصة لصالح ضحايا الأخطاء الطبية مع غياب قانون يحمي الضحية ويعاقب مرتكب الخطأ، بينما اكتفت وزارة الصحة بإنشاء صندوق يتولى تعويض المرضى ضحايا الأخطاء الطبية والذين لم يلجئوا إلى العدالة، في حين استبعد  كل الضحايا الذين حولوا ملفاتهم إلى العدالة.

عمق الضرر المعنوي

و حسب تقرير الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، الذي أطلعنا على نسخة منه فإن عدد قضايا الأخطاء الطبية أزيد من 1200 ملف، و الرقم لا يعكس ، الحقيقة الفعلية لواقع هذه الشريحة المهمشة التي أخذت في السنوات الأخيرة منحى تصاعديا مع ارتفاع عدد الضحايا في القطاعين العمومي و الخاص.

و يحصي التقرير الحقوقي المشاكل النفسية الكبيرة لنسبة كبيرة من الضحايا، بسبب الضرر المعنوي الناجم عن هذه الأخطاء، خصوصا بالنسبة للحالات التي تعرضت لعاهات أو إعاقات دائمة، إذ تدمر حياتهم بشكل كلي ،و يتعرض هؤلاء في الغالب إلى مشاكل التسريح من العمل و الإحالة على البطالة و التسرب المدرسي للأطفال. داعية إلى أهمية إدراج الحقوق الصحية في المناهج الدراسية الجزائرية، وأن يتم نشر الثقافة الحقوقية الخاصة بالجوانب الصحية بين التلاميذ أنفسهم ليعرفوا حقوقهم.

لكن رئيس المجلس الوطني لعمادة الأطباء الجزائريين الدكتور أحمد بقاط بركاني ،  يكشف بأن عدد قضايا الأخطاء الطبية التي تمت إحالتها على العدالة في ظرف سنتين بلغ 200 ملف، مضيفا أن أغلبها متعلقة بطب النساء والتوليد والعيون والجراحة، مؤكدا بأن مجالس أخلاقيات مهنة الطب على المستوى الوطني، فصلت في عدد من الشكاوى التي رفعت إليها بإصدار 15 إنذارا بالتوقيف ضد أطباء، كما تلقى 10 أطباء توبيخات مباشرة، وتم خلال نفس الفترة توقيف نشاط 10 أطباء آخرين.

ويؤكد من جهته، رئيس اللجنة الاستشارية لحماية و ترقية حقوق الإنسان المحامي فاروق قسنطيني، بأن معالجة ملفات الضحايا لا تعالج بالشكل المطلوب على مستوى المحاكم، التي قال : ” بأنه وقف بها على قضايا و أحكام لا تشر”، حسبه، القضاء، مطالب  بضرورة تخصيص قضاة لمعالجة هذا النوع من الملفات بعد خضوعهم لتكوين خاص.

ويعكس تعرض  عديد أصحاء إلى أخطاء كارثية لدى دخولهم مستشفيات البلاد ، إن الإشكال يبقى قائما في ضعف تكوين الأطباء، فقد خلصت دراسة حديثة صدرت أخيرا لخبراء من جامعة شاربوك الكندية بالتنسيق مع المنظمة العالمية للصحة حول مسح لمستشفيات ومؤسسات المنظومة الصحية بدول المغرب العربي، أن الجزائر الأسوأ من حيث التغطية الصحية مقارنة بالجارتين تونس والمغرب رغم أنها الأكثر إنفاقا على قطاع الصحة.

موضحا أن أغلب النفقات توجه للتجهيزات على حساب التكوين وتأهيل الموارد البشرية، ما انعكس سلبا على مستوى الرعاية الصحية في الجزائر.

لؤي ي

عن محرر 1

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .