الرئيسية » صفحات خاصة » ناس التحرير » بين الباحثين عن السعر والنوعية الجيدة تحت رقابة مشددة

بين الباحثين عن السعر والنوعية الجيدة تحت رقابة مشددة

تجارة الشيفون بولاية تبسة
بين الباحثين عن السعر والنوعية الجيدة تحت رقابة مشددة

 1610934_835304416558023_306621357373635631_n

تعتبر تجارة الشيفون بولاية تبسة من جميع جوانبه السلبية والإيجابية، حيث اشتهرت هذه الولاية دون غيرها من ولايات الوطن منذ سنوات الثمانينات بتجارة الشيفون المهرب من الحدود التونسية قبل أن يتم سن قوانين تسمح للمستثمرين في هذا المجال فتح مصانع خاصة بالرثاثة وتنظيم سوقها وفق قوانين واضحة سمحت للمؤسسات المنشأة على مستوى الولاية من استيراد الشيفون من مصدره بعدة دول أوربية مثل كندا وإيطاليا وهولندا وغيرها.
هذا الأمر زاد في انتعاش واتساع رقعة رواج الشيفون عبر كامل ولايات الوطن التي اتخذت تبسة قبلة لها بالنظر إلى النوعية وجودة تلك الملابس المستعملة مقارنة بالملابس الجديدة، إلا أن القرار الذي تم اتخاذه في سنة 2010 بتوقيف النشاط وتلاه قرار ثان 2011 في ذات الصدد قبل أن يتم في سنة 2012 تأكيد قرار تجميد من طرف وزارة التجارة والقاضي بإلغاء قرار استيراد الشيفون، مما جعل تلك المؤسسات المنشأة خارج مجال الخدمة وساهمت في تسريح مئات العمال عن مناصبهم، وفي المقابل كان هذا القرار بمثابة بشرى لفئة المهربين الذين كثفوا من نشاطهم على طول الشريط الحدودي الذي يفوق 320 كلم من أجل تزويد السوق المحلية والوطنية بألبسة الشيفون بعيدا عن أعين الرقابة ودفع معه بهؤلاء المتضررين إلى إنشاء جمعية وطنية تضم أصحاب المصانع على مستوى الوطن والتي بلغت أزيد من 70 مصنعا للرثاثة في إطار قانوني وهيكلي، للدفاع عنهم والسعي بشتى الطرق من أجل إلغاء القرار نهائيا,  واستئناف النشاط من جديد، وهي التحركات التي ينتظر حسب ما علمناه من مصادرنا  كلها, من خلال اقتراب إصدار قرار يقضي بإعادة تنظيم سوق استيراد الشيفون وفق قوانين ولوائح تنظمه.
إلغاء استيراد الشيفون عجل بإفلاس أزيد من 40 مصنعا
نزل قرار ترسيم تجميد نشاط استيراد الألبسة البالية في سنة 2012 كالصاعقة على أصحاب المصانع الناشطة في ذات المجال عبر بلديات الولاية، خاصة عاصمة الولاية تبسة وبئر العاتر الذين وجدوا أنفسهم في دوامة حقيقية جعلتهم يعمدون إلى غلق مصانعهم مجبرين بالنظر إلى عدم قدرتهم على تحمل الأعباء المادية والخسائر الفادحة التي تكبدوها، بعد هذا القرار الذي جاء ليؤكد المصير الذي وصلت إليه المصانع التي كانت ملتزمة بدفع الضرائب والرسوم الجمركية، إذ كان يلتزم المستثمرون على تسديد مبلغ السلعة بالدول المصدرة ومبلغ الرسوم، حيث يصل رسوم الحاوية الواحدة بين 50 و150 مليون سنتيم في ذلك الوقت، في حين أن الحاوية الواحدة لا تتسع لأكثر من 20 طنا من الألبسة والأحذية، وكما أن الرثاثة التي يقوم المستوردون على جلبها من دول أوربية كإيطاليا، بلجيكا، هولندا وكندا من خلال وسطاء أو جزائريين يتنقلون مباشرة إلى تلك الدول الأوروبية والأمريكية، لتنقل بعدها مباشرة في البواخر ثم إلى تبسة وبإجراءات قانونية ووثائق صحية تثبت أن هذه الألبسة معالجة وتمر الحاويات على أجهزة السكانير، ويتم تسديد الرسوم بطريقة عادية وفي ظروف صحية عكس الشيفون التونسي المهرب عبر الحدود.
إحالة مئات العمال على البطالة ومساع  حثيثة لإلغاء قرار المنع
تسبب قرار توقيف استيراد الرثاثة أو الشيفون كما يعرف محليا في إحالة المئات إن لم نقل الآلاف من العمال الذين كانوا يعملون على مستوى المصانع,  التي أوصدت أبوابها وأحيلت على التقاعد من النشاط إلى البطالة الإجبارية بسبب عدم تمكن المستثمرين من إيجاد سبيل يمكنهم من تفادي الإفلاس، وهو الشيء الذي انعكس سلبا على هؤلاء العمال الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها محالين على البطالة المخيفة رغم المساعي الحثيثة التي قام بها أصحاب تلك المصانع ومن خلالهم الجمعية الممثلة لهم بسعيها في كل الاتجاهات من أجل إلغاء هذا القرار الوزاري وإعادة بعث النشاط من جديد، إلا أن كل تلك المحاولات باءت بالفشل رغم عدم يأسهم لحد الساعة بعد مرور 2 سنتين كاملتين إلا أنهم ما زالوا يأملون في أن يتم عن قريب إعادة تفعيل آلية استيراد الشيفون الذي يعتبر قبلة الفقراء والزوالية عبر ولايات الوطن، خاصة وأن هذا القرار ساهم في توقيف أزيد من 70 معملا على المستوى الوطني، وحسب ما علمته المحور اليومي فإن تحركات هؤلاء ستأتي أكلها، إذ ينتظر أن تعود تجارة الألبسة المستعملة إلى الجزائر بصفة قانونية بعدما تم منعها في وقت سابق بحجة الحفاظ على المنتوج الوطني، حيث تقرّر رفع الحظر عن استيراد هذا المنتوج بطلب من المنظّمة العالمية للتجارة والذي يعدّ شرطا هاما لانضمام الجزائر إليها، كما تقرّر إدراج قوانين وقرارات جديدة تتمثّل في رفع الضريبة على استيراده إلى أكثر من 150 بالمائة بالإضافة إلى عدة شروط في سبيل رفع الحظر عن استيراده.
آلاف حزم الرثاثة تدخل يوميا بعيدا عن أعين الرقابة
من أجل الغوص أكثر في هذا الموضوع وتحليله من جميع الجوانب الخفية التي تبين أن القرار الذي اتخذته وزارة التجارة القاضي بتجميد نشاط مصانع الرثاثة عبر التراب الوطني ساهم في تنامي ظاهرة تهريبه بشكل غير مسبوق من طرف مافيا التهريب الناشطة عبر حدود الولاية التي تكفلت بمهمة إغراق السوق بالآلاف من حزم الشيفون وتغطية العجز الذي تسبب فيه غلق تلك المصانع، إذ يتم يوميا إدخال قرابة 5 آلاف حزمة شيفون تونسي بعيدا عن أعين الرقابة بشكل يومي من طرف محترفي التهريب المشتغلين على الحدود من خلال تجنيد عشرات من مركبات الهيليكس والتويوتا والفورد من أجل نقله رغم المطاردات اليومية من طرف الجهات الأمنية المختلفة وما يسببه من خطر على حياتهم والتي كلفت الكثير حياتهم بسبب السرعة المفرطة التي أزهقت عشرات الأرواح من المهربين الذين يؤمنون بقاء تجارة الشيفون عبر الولاية والحفاظ على مكانتها رغم الأخطار الكثيرة التي تعترضهم بشكل دائم في سبيل إيصال تلك الكميات إلى المستودعات، ومنها إلى محلات الجملة الناشطة عبر بلديتي تبسة وبئر العاتر على وجه الخصوص ومنه يتم تسويقها للتجار على ولايات الوطن الذين يحجون يوميا من أجل شراء الشيفون وإعادة ترويجه، إذ وفي زيارة إلى سوق الشيفون ببئر العاتر لفت انتباهنا تواجد عشرات المركبات من مختلف الولايات من العاصمة وقسنطينة والشلف ووهران وغيرها من الولايات التي يقصد فيها تجارها محلات الجملة للتزود بحزم الشيفون وإعادة ترويجها بسوقهم المحلية التي تلقى فيها الملابس الرثة مكانا مرموقا وإقبالا منقطع النظير من طرف العائلات الجزائرية التي باتت تجد فيها البديل الأنسب والأفضل من جميع النواحي.
المقايضة تبقي على تجارة الشيفون رغم الأخطار
لا يختلف اثنان في أن تجارة الشيفون كان سيكون مصيرها الانتهاء لو لا عمليات التهريب المنظم من طرف شبكات أحكمت قبضتها على هذا الجانب من البلدين الجزائر وتونس والتي تتم وفق شروط بين المهربين من خلال المقايضة التي تزيد في أرباحهم ومداخيلهم المادية، حيث يعمد الهربون الجزائريون إلى قصد الشريط الحدودي الفاصل بين البلدين محملين في أغلب الأحيان بآلاف اللترات من الوقود التي يتم مقايضتها في صفقات يتم إبرامها مسبقا بين الطرفين مقابل الملابس المستعملة، وهو ما ساهم في الإضرار بالاقتصاد الوطني من خلال تزايد عمليات التهريب المنظم للوقود الجزائري نحو تونس لما يجلبه من أموال طائلة لهؤلاء المهربين من خلال عمليات التبادل، وهي العمليات التي تتم بعيدا عن أعين الرقابة وخاصة منها الصحية التي بإمكانها أن تمنع حدوث أي أخطار صحية على مستعملي هذه الملابس الرثة وإن كانت لا تشكل خطرا على صحتهم من عدمه، وهو ما يزيد من المخاطر التي من الممكن أن تنجر عن مقايضات سماسرة التهريب وإغراق السوق بآلاف الحزم بشكل يومي دون رقابة.
محلات الملابس المستعملة قبلة الزوالية وحتى ميسوري الحال
تبقى الملابس الرثة أو الشيفون القبلة المفضلة لشريحة كبيرة من العائلات الجزائرية سواء الفقيرة أو حتى ميسورة الحال التي وجدت في محلات الشيفون ضالتها لكساء أبنائها وكذا لنوعيتها وجودتها من جهة ثانية مقارنة بالملابس الجديدة التي تروج حاليا بالأسواق الجزائرية والتي لا تضاهي سواء من ناحية النوعية والجودة تلك المستعملة، سيما وأن ثمنها المعقول يبقى في متناول العائلات التي تعمل مع حلول مناسبات العيد على قصد الأسواق واقتناء ملابس لهم ولأبنائهم، خاصة لعدم قدرتها تحمل أعباء اقتناء الملابس الجديدة الباهظة الأثمان وذات النوعية الرديئة وهو ما ساهم في تشجيع الجزائريين عبر مختلف ولايات الوطن ومنها ولاية تبسة على وجه الخصوص التوجه نحو المحلات والأسواق المتخصصة في بيع الملابس المستعملة بالتجزئة التي باتت تعج عبر سائر أيام السنة بالزبائن الذين يقصدونها بشكل دائم.
المصالح الأمنية تضرب بيد من حديد وتصادر مئات الأطنان سنويا
أمام تزايد انتشار وتوسع عمليات تهريب الملابس المستعملة من طرف مافيا التهريب الناشطة عبر تراب الولاية، كانت المصالح الأمنية المختلفة سواء أفراد حرس الحدود والجمارك والدرك الوطني والأمن بالمرصاد لهؤلاء، من خلال خطط عملياتية ممنهجة ضد عصابات التهريب بصفحة عامة وتهريب الشيفون بصفة خاصة، إذ شنت حربها ضد مافيا تهريب الملابس المستعملة من خلال زيادة الدوريات والحواجز التي ساهمت في الإطاحة بعشرات المهربين طيلة السنوات الأخيرة وأثمرت عن إحباط العديد من العمليات التي كانت تصب في خانة إغراق السوق بأطنان من الملابس المستعملة التي تم حجزها وتوقيف المتورطين فيها، ويؤكد الكثير من العارفين بخبايا التهريب لـ المحور اليومي على أن المصالح الأمنية قد تمكنت من إحكام قبضتها بشكل كبير على الكثير من المحاور التي كانت تستغلها جماعات التهريب على المستوى المحلي ما ساهم في تراجع النشاط بشكل كبير، سيما منذ الإنفلات الأمني الذي تعيشه كل من ليبيا وتونس وأحداث جبل الشعانبي المتاخم للحدود مع ولاية تبسة والتي جعلت الدولة الجزائرية تتخذ جميع احتياطاتها الأمنية خشية تسلل جماعات إرهابية وتغلغلها بالتراب الوطني، وهي الإجراءات والتدابير الجديدة التي قللت من حجم وعمليات التهريب مقارنة بالسنوات الماضية، وحسب ما كشفته مختلف المصالح الأمنية في حصيلتها السنوية، فقد تم الضرب بيد من حديد وتمكنت من مصادرة مئات الأطنان من الملابس الرثة سنويا وحجز عشرات المركبات وإحالة عدد معتبر من المتورطين في عمليات التهريب على العدالة.

روبورتاج :عبد المالك علي

عن محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .