الرئيسية » صفحات خاصة » ناس التحرير » موروث تقليدي في تراجع مستمر

موروث تقليدي في تراجع مستمر

البرنوس والقشابية والعمامة…

موروث تقليدي في تراجع مستمر

 برنوس

 

     تمثـل كـل من العـباءة والبرنوس والقشابية والعمامة إحدى أبرز معالم الزي الندرومي الجزائري الأصيل، وتمتاز كل منها بعراقة ماضيها وتفردها الضارب في التاريخ، في وقت باتت هذه العادات والتقاليد مهدّدة بالتراجع بشكل كبير، لعـدم مبالاة طلائع الجيل الجديد بسحر أزياء تقليدية.

     فالقشابية المصنوعة من الوبر والصوف، والبرانيس الحضنية التلمسانية والندرومية بعنصر مكمّل لها وهي “العمامة” ذات اللون الأبيض أو الأصفر، لم يعد لها وجود بارز في الحياة الاجتماعية بهاتين المدينتين العريقتين في السنوات الأخيرة، وصار بالإمكان مشاهدة هذا اللباس إلا عند قلة قليلة من المسنين، الذين لا زالوا يحافظون على هذه الأزياء التي توارثوها عن الأجيال السالفة وبقوا مخلصين لها، بالرغم من ندرتها في الأسواق الشعبية، إذ كان البرنوس التلمساني والندرومي على سبيل المثال لا الحصر يعتبر مظهرا فارقا في الحياة الاجتماعـية، يرتديه المصلّون بشغـف ويحرصون على ارتدائه أيضا في سائر المجالس والمناسبات الاجتماعـية العامة والخاصّة كالأعـراس والمآتم، كما يعتبر رمزا للوقار والهـمّة والافتخار، وعلى الرغم ممّا طرأ على البرنوس والقشابة من تغيرات طفيفة في ألوانها وأنماطها، إلاّ أنّها لم تعد تستهوي الشباب الذي يفضل عنها الألبسة العصرية المستوردة بحجّة أنها لا تناسب إلا المسنين، ولم تعد هذه الأزياء تتماشى مع اللباس العادي اليومي، على الرغم من أنها تشغل حيزا كبيرا في التراث الجزائري، وهو ما أكده البعض من الحرفيين في ألبسة تقليدية بمدينة ندرومة، حـيـث صرّحوا لـ “التحرير الجزائرية” : “قمنا بإحداث تغييرات على الألبسة التقليدية للتماشي مع متطلبات العصر، خاصة استحداث المعطف المشابه للقشابية الذي يشهد بعض الإقبال بعد جهودنا الرامية إلى إعادة اهتمام فئة الشباب بها خاصة من خلال استعمال الوبر في صناعتها”، كما شرحوا لنا مراحل إنجاز الألبسة التقليدية على غـرار البرانيس والقشابيات والجلاّبيات وغـيرها من المظاهر التقليدية، حيث عرجوا بنا في بادئ الأمر إلى سبل اقتناء المادة الأولية ألا وهي الوبر والصوف التي تختلف ألوانها، فمنها الأسود والأشهب والأحمر والأصفر، وتستغرق ـ حسبهم ـ هذه المراحل التي يمر بها صناعة البرانيس والقشابيات وغيرها من الألبسة التقليدية، ما يفوق مدة الستة أشهر كاملة، وهو الأمر الذي يسهم في ندرة هذا المنتوج وغلائه، حيث يتراوح سعر البرنوس ما بين 2 و خمسة ملايين سنتيم، فيما يتراوح سعر القشابية من واحـد إلى أربعة ملايين سنتيم، ويرجع سبب غلاء الألبسة التقليدية أيضا إلى الوسائل التقليدية والبدائية المستعملة في مراحل إنجازها، بالإضافة إلى غـياب اليد العاملة المؤهلة والراغـبة في امتهان هذه الصنعة التقليدية من قبل الشباب، الذي يعزف على طلبها في مراكز التكوين المهنية.

     وخلال قيامنا بهذا التحقيق حول هذا النوع من الصناعات التقليدية، التقينا ببعض النسوة في هذا المجال، حيث ترى فاطمة الزهراء وهي حرفية في صناعة الألبسة التقليدية من مدينة ندرومة، أنّ هذا التخصص بحاجة إلى دعم لاسيما مع وجود نماذج رائعة عن الزي التقليدي الرجالي، حيث قالت : “أغلب شباب اليوم يعزفون عن تعلمها في مراكز التعليم المهني، ونحن ندعو الدولة الجزائرية إلى تدعيم هذه الحرفة التي تعتبر مهددة بالزوال بعد قصر القائمين عليها وممتهنيها، في غياب تام لتجديد الأيادي العاملة الشبانية”، كما نفت ذات المتحدّثة تبرير سبب غلاء المنتوجات التقليدية بغلاء أسعار المواد الأولية المستعملة فيها، وهذا نظرا لتوفر مادة الصوف المستعملة في كل أعمالها على غرار الزرابي والبرنوس الندرومي والتلمساني وما إلى ذلك، من جهتها انتقدت ربيعة الحرفية، المنادين بغلاء أسعار الألبسة التقليدية رغم عدم علمهم بالمجهودات الجبارة التي تبذل في عملية النسيج والطرز والخياطة التي تستغرق شهورا كاملة، من أجل إنجاز أعمال فنية رائعة تسهم في تلبية طلبات المواطنين المختلفة، انطلاقا من فرسان الخيل الذين يفضلون البرنوس الأسود المعبّر عن همة هؤلاء، أما أعيان المناطق البدوية فيفضلون البرنوس البني المصنوع من وبر الإبل والذي يمتاز بخفته وشدة نعومته، أما بقية المواطنين ذوي الدخل الضعيف فالمهم عندهم هو حماية أنفسهم من عوامل الطقس خاصة في فصل الشتاء.

ع. محمد أمين

عن محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .